مؤمن زكارنه
من هنالك القريب من هنا ... سأبتدئ
يحكى أنه في بلادي ..؟

في بلادي ، وفي أحد زوايا الموت ، شيدت السماء مكتباً للتمثيل الدبلوماسي ، طبعاً هذا فقط في بلادي ، فإن جبت البلاد كافة لن تجد مكتباً لتمثيل السماء دبلوماسياً ، إلا في بلادي ..
وكأي فرد من عامة الشعب ذهبت إلى المكتب ، فسئلت المسئول فيه عن سبب تشيد المكتب ، وبالذات في بلادي فقال : كان قد تقدم أحد الملائكة ، وهو المسمى عزرائيل ، بطلب لدى والي السماء ، يطلب فيه أحد أمرين ، إما أن يُعفى من مهام الموت في بلادكم وأن تسلم لملاكٍ آخر ، أو أن يفتح في بلادكم مكتباً للتمثيل الدبلوماسي ، ويختار حينها عزرائيل أحد ثقاته ليديره ولينوب عنه في تنفيذ مهام الموت ، لكن كان الرفض هو الرد الوحيد من والي السماء ، وذلك لأنه لا يحبذ هكذا أمور ، التي قد تتسبب في إخراج الأوضاع عن سيطرته ، ولأنه لايثق بغير عزرائيل في تنفيذ مهام الموت ، لكن وبعد أن قام جبرائيل بالوساطة لدى الوالي ، أعاد النظر بالأمر ، فقرر أن يفتح هذا المكتب وأن يختار عزرائيل أحد ثقاته ليديره ولينوب عنه في تنفيذ مهام الموت ، وذلك مشروط بشرط سنوي ، وهو أن يجلد عزرائيل مئة جلدة عن كل مهمة موت ينفذها مندوبه ، وبالطبع رضخ عزرائيل لذلك الشرط فقط ليهنأ بالراحة قليلا ، فبلادكم لا ينتهي تنفيذ فرمان موت بها إلا وصدر آخر ..
فخرجت منتشياً ، فأنا الأن من القلة القلائل الذين قد تجاوب معهم مدير المكتب السماوي وأجاب على تساؤلهم بصدق دون تدليس ، ومن نشوتي المفرطة كنت سببا في موت أحدهم قبل أوانه ، وذلك عند سؤالي أحد القاطنين قرب المكتب السماوي عن مدى تقبله أو رفضه لهكذا مكتب فقال لي : شيدوا أم لم يشيدوا ، فالحال لن تتغير فهنالك عدة رؤوس لابد أن تقطع ، لكنها محصنة ، فهذه الرؤوس هي من تعيث فينا فساداً ، وهي من تعمل على إصدار فرمانات الموت ، وأنت تعلم أنه إن صدر فرمان فلابد وأن ينفذ ، وعندما أراد أن يكمل حديثه ، وأن يفصح عن أسماء بعض تلك الرؤوس ، فاجئنا مدير المكتب السماوي ، فقبض روحه ، وعنفني بشدة ، وحذرني من المساس بتلك الرؤوس ، فمصيري حينها أحد إثنين ، سجن بلا تحديد فترة زمنية ، أو موت فجأة قبل انقضاء مدة مكوثي على سطح الأرض ..
فغادرت تلك الزاوية متجها لزاوية أخرى ، باحثاً عمن يدلني على تلك الرؤوس ، أو يوصلني إليها ، ومن تعبي جلست إلى زيتونة ، فإذ بها تخاطبني : بني مابالك ، أراك تعباً ، مهموماً غير هانئ ، إني أعلم ما تصبو إليه ، وإني أفهم تمتمات عينيك ، فإن كان همك كيف تصل للرؤوس فأنا أدلك ، وإن كان همك كيف تزيلها فأنا عضدك ، لكن لا تجعلني أغضب وأتبرئ منك ، إن ظننت أن أبناء بلادك خائفون من تلك الرؤوس ، أو أنهم لا يريدون إزالتها ، فأبناء بلادك لا يجارونهم على مصالحهم الدنيئة ، ولا يقدمون محبتهم على محبتي ومحبة أمي ، إنما هنالك مرض أطلقته الرؤوس بالتعاون مع المكتب السماوي لمصلحة الفرمانات ، ولا تنسى أن أبناء بلادك جوعى وتعبوا من الموت ، تعبوا من الموت ، تعبوا من الموت ..
كانت الزيتونة محقة بكل ماقالت ، لكني لم أطلب منها أن تدلني على أحد الرؤوس لأني موقن بأنه ما من جدوى بزيارتهم ، أو حتى الحديث معهم ، وذلك لخوفهم من السماء بأن تحول دعمها عنهم لآخرين يقلبون كراسيهم عليهم ، فعدت أدراجي إلى المكتب السماوي ، أسأله أن يؤجلني إن حانت ساعتي ، حتى أنجز مهمتي أنا ورفاقي ، بأن نبعث الحياة في وطن تآكل في ظل هذه الرؤوس ، فكان جوابه بالرفض وقال : حذار حذار ، أن تمسس تلك الرؤوس بأذى ، ولو كان معنوياً ، بشعار أو قول أو قصيدة ، فحينها أنا برئ منك ، ومن ساعة انقضاء أجلك ، وستكون ميتتك بشعة ، وللعلم فقط ، تلك الزيتونة الناكرة لفضل الرؤوس ولفضلنا ، أحرقت ، فباتت فحما لنرجيلتي ..
فعدت إلى منزلي فلربما كان أكرم منهم ، وعاجلني بقدح نبيذ كضيافة ، وفي طريق عودتي ، سمعت أحد الرؤوس يخطب بالناس قائلاً : أيها الشعب العظيم ، إن السماء كرمتنا وقدستنا أيما تقديس ، بفتحها مكتبا لتمثيلها دبلوماسيا لدينا ، وهي بذلك لا تبغي إلا راحتنا ، فمتى أحسسنا أنه ما من ضرورة لبقائنا أحياء ، ذهبنا إلى المكتب السماوي واستعجلنا موتنا ، وأيضا إن عاجلنا الموت ونحن بأشد الحاجة للحياة ، سارعنا إلى المكتب وأجلناه ، وطبعا كل ذلك بعد تقديم القرابين لإدارة المكتب السماوي الأجلاء ، وأنا هنا فقط لأهنئكم بهذا التكريم العظيم من والي السماء ... فقفزت أنا على كتفي أحد الحضور ، وصحت بذاك المتجبر قائلا : إنتظر قليلا ولا تذهب ، فلدي ما أسألك عنه ، فماذا لو رأيت أنه من الصالح لي ولبلادي موت أحدهم ، فذهبت إلى المكتب السماوي طالبا منهم أن يعجلوا بموته ، فهل يلبون لي طلبي ..؟فأجابني : نعم ، ولكن لابد وأن تصدر عريضة عنهم ، فيصادق عليها ما لا يقل عن مئة شخص ، مذيلة بالأسباب الداعية لطلب العجالة في موت ذلك الشخص ، وأن يقدم لهم قربانا جزلا لقاء ذلك ، وإسطرد يسألني بسخرية ، ومن ذاك الشخص ..؟ فأجبته أنت يا سيادة النجس  ...!!!
عفوا رفاق ، أنا من قفز على كتفي محدثكم ، فقد سقط محدثكم صريعا إثر ارتطام ذبابة بجبينه ، فسقط وهو يتجزأ حيا ، فصار ألف قطعة قبل أن يلامس الأرض ، وكأنه أعد لحفلة شواء ، وماهي إلا لحظات حتى إلتهمت قطعه ديدان لا أعلم من أين جائت ، فالأرضية خرسانية ..
إن أردتم تقديم واجب العزاء في موت رفيقكم ، فقد إنقضى بيت العزاء مع التهام آخر قطعة من جسده ، فلا عزاء ....



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية